هل اشتكى جاركم قائلًا «إنكم تعكّرون هدوئي»؟ المادة 123 من قانون العقوبات التركي وضجيج الأطفال
هل قُدّمت ضدكم شكوى بجريمة تعكير الهدوء والسكينة وفق المادة 123 من قانون العقوبات التركي بسبب أصوات لعب طفلكم؟ نشرح معياري «القصد الخاص» و«الإصرار» لدى محكمة النقض التركية (Yargıtay).
من أكثر المشكلات شيوعًا في حياة العمارات السكنية شكاوى الضجيج بين الجيران. غير أن هذه الشكاوى قد تتجاوز في بعض الحالات حدود الخلاف العادي لتتحول إلى تحقيق جنائي في إطار جريمة «تعكير هدوء وسكينة الأشخاص» المنصوص عليها في المادة 123 من قانون العقوبات التركي (TCK).
وفي هذا النوع من الشكاوى الذي تواجهه الأسر ذات الأطفال بكثرة، فإن جواب سؤال «طفلي يلعب فحسب، فهل هذا جريمة؟» قد ورد بوضوح كبير في الاجتهادات المستقرة لمحكمة النقض التركية (Yargıtay). نتناول في هذه المقالة أركان المادة 123 من قانون العقوبات التركي وكيفية تعامل المحاكم مع هذا النوع من الشكاوى.
ملخص الحالة
يتقدم شخص بشكوى ضد جاره بجريمة «تعكير الهدوء والسكينة». وغالبًا ما يكون موضوع الشكوى ضجيج الحياة اليومية، كأصوات ركض الأطفال الساكنين في الشقة المجاورة أو صراخهم أو لعبهم. ويدّعي الطرف الشاكي أن هذه الأصوات تتكرر على فترات، وفي بعض الحالات يُطلب إجراء خبرة فنية وتُقدَّم تسجيلات صوتية إلى الملف.
والمسألة الجوهرية الواجب مناقشتها في مثل هذا التحقيق هي ما إذا كانت أصوات لعب الأطفال الطبيعية يمكن أن تُعد فعلًا يُرتكب «بإصرار ولمجرد قصد تعكير الهدوء» كما يشترط القانون.
نقطة النزاع القانوني
تنص المادة 123 من قانون العقوبات التركي على ما يلي: «إذا اتُّصل بشخص هاتفيًا بإصرار، أو أُحدث ضجيج، أو ارتُكب سلوك آخر مخالف للقانون بالقصد ذاته، لمجرد تعكير هدوئه وسكينته، يُحكم على الفاعل، بناءً على شكوى المجني عليه، بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة.»
وانطلاقًا من هذا التعريف، يلزم لقيام الجريمة اجتماع ثلاثة أركان:
- الطبيعة العامة والتكميلية: يجب ألا يكون الفعل معرَّفًا في القانون بوصفه جريمة مستقلة.
- الإصرار والاستمرارية (الركن المادي): لا يكفي ارتكاب الضجيج أو السلوك المماثل مرة واحدة؛ بل يُشترط «تكراره بإصرار» واتسامه بالاستمرارية.
- القصد الخاص (الركن المعنوي): يجب أن يكون الفاعل قد تصرف بقصد إزعاج المجني عليه مباشرةً دون أن يبتغي غاية أخرى. وهذا هو الركن الأكثر تمييزًا للجريمة والأصعب إثباتًا.
وعندما يتعلق الأمر بأصوات لعب الأطفال، يصبح الحاسم هو ما إذا كان معيارا «القصد الخاص» و«الإصرار» على وجه الخصوص متحققين من بين هذه الأركان الثلاثة.
ماذا تقول محكمة النقض؟
توفّر اجتهادات محكمة النقض في هذا الموضوع حماية واسعة لضجيج الحياة المنزلية:
- بيّنت الدائرة الجزائية 12 بمحكمة النقض (E. 2023/958، K. 2023/4258، بتاريخ 2023) أن المادة 123 من قانون العقوبات التركي «جريمة ذات طبيعة عامة وتكميلية»، وأن المصلحة القانونية المحمية هي استمرار السلامة النفسية والروحية للشخص على نحو صحي.
- قضت الهيئة العامة الجزائية بمحكمة النقض (E. 2014/821، K. 2018/45، بتاريخ 2018) بأن شرط «الإصرار» إلزامي، وأن ارتكاب الأفعال مرة واحدة لا يكفي لقيام الركن المادي.
- بيّنت الدائرة الجزائية 12 بمحكمة النقض (E. 2023/1631، K. 2023/4628، بتاريخ 2023) وجوب توافر دليل قاطع ومقنع لا يشوبه أي شك على أن الفاعل ارتكب فعله «لمجرد قصد إزعاج المجني عليه»؛ وإلا طُبّق مبدأ «الشك يُفسَّر لمصلحة المتهم». كما أكدت أنه إذا كان فعل الفاعل مستندًا إلى نزاع آخر (كتوتر ناشئ عن الإيجار أو أحكام الجوار مثلًا)، فلا يمكن الحديث عن قيام القصد الخاص.
- ومن أبرز الاجتهادات، قرار للدائرة الجزائية 12 بمحكمة النقض (E. 2023/1444، K. 2023/4692، بتاريخ 2023) قضى صراحةً بأن «الفعل المقتصر على إحداث الأطفال ضجيجًا لا تقوم فيه أركان الجريمة المسندة».
- وبيّن قرار آخر للدائرة ذاتها (E. 2023/1612، K. 2023/4622، بتاريخ 2023) أن الأصوات التي تصل إلى الطابق السفلي بسبب الظروف الفيزيائية للمباني وقصور العزل الصوتي تُقيَّم بوصفها «ضجيجًا يمكن عدّه طبيعيًا أثناء أنشطة الحياة المنزلية اليومية» وتُعد متفقة مع المجرى العادي للحياة.
- وبيّنت الدائرة الجزائية 9 بمحكمة النقض (E. 2011/12412، K. 2012/12140، بتاريخ 2012) أن عبارة «لمجرد قصد تعكير الهدوء والسكينة» الواردة في نص القانون تستلزم أن يستهدف الفاعل مباشرةً السلامة النفسية للمجني عليه دون أن يبتغي غاية أخرى.
نقاط يجب الانتباه إليها
نقاط مهمة من الناحية العملية للأطراف التي تواجه مثل هذه الشكوى:
- مصدر الضجيج مهم. كون الضجيج ناشئًا عن الحركات الطبيعية للأطفال (الركض واللعب والصراخ) ينفي إلى حد كبير «القصد الخاص» الذي هو الركن المعنوي للجريمة.
- تقرير الخبرة وحده غير كافٍ. إثبات التسجيل الصوتي للضجيج من الناحية الفنية لا يجيب تلقائيًا عن سؤال ما إذا كان هذا الضجيج يشكّل «إصرارًا» قانونيًا بمعنى المادة 123 من قانون العقوبات التركي؛ بل يجب تقييمه مع استمرارية الأفعال وموقف الفاعل.
- الخصومة بين الطرفين تؤخذ في الاعتبار. وجود خصومة أو خلاف سابق بين الشاكي والمشكو منه يُراعى عند تقييم ما إذا كان الفعل قد ارتُكب «لمجرد» قصد تعكير الهدوء أم بوصفه جزءًا من الحياة العادية.
- إنها جريمة معلّقة على الشكوى. المادة 123 من قانون العقوبات التركي من الجرائم المعلّقة على الشكوى؛ فإذا لم تُقدَّم الشكوى في مهلتها، لا يُجرى تحقيق.
الخلاصة: ماذا تفعلون؟
إذا واجهتم شكوى في إطار المادة 123 من قانون العقوبات التركي بسبب أصوات لعب طفلكم اليومية، فلا داعي للذعر؛ فاجتهادات محكمة النقض في مصلحتكم إلى حد كبير. ومع ذلك، ولإدارة المسار على نحو سليم:
- أكّدوا في دفاعكم أن الضجيج ناشئ عن أنشطة الحياة الطبيعية للأطفال وأنه لا قصد خاص لديكم.
- اطلبوا، إن أمكن، تقييمًا فنيًا لقصور العزل الصوتي في المبنى/العمارة (تقرير خبرة، مراسلات إدارة المبنى).
- إذا كانت هناك خصومة سابقة أو نزاع آخر بين الطرفين، فاعكسوا ذلك في الملف بشكل ملموس.
- في مرحلتي الإفادة والدفاع، بيّنوا بلغة قانونية أن ركني «الإصرار» و«الاستمرارية» لم يتحققا في الواقعة الملموسة.
يكتسي إعداد الدفاع الصحيح وفي الوقت المناسب أهمية كبيرة في التحقيقات الجنائية. لذا ننصحكم عند مواجهة مثل هذه الشكوى بالاستعانة بمحامٍ جنائي.
أُعدّ هذا المقال لأغراض إعلامية عامة ولا يُعد رأيًا قانونيًا. قد تتغير التشريعات والاجتهادات القضائية؛ فاستشيروا محاميًا بشأن حالتكم الخاصة.